أنت أسوأ مما تظن!

 

هذا ليس اتهاماً شخصياً أو “تكسير مجاديف”، بل هو إشارةٌ إلى خطأ شائعٍ جداً قد نقع فيه كلنا بسبب طبيعتنا البشرية.. لذا لا بدَّ أن نعترف بوجوده أولاً، ثم نفهمه ونتعامل معه.

ما الذي يحصل بالضبط في بداية الطريق؟ 

عندما نبدأ في تعلُّمِ أيّ شيءٍ جديد أو الانتباهِ إلى مهارةٍ أو خصلةٍ جيّدة نمتلكها، يصيبنا الحماس وتملؤنا الثقة بسبب مشاعر الـ”يوريكا” والفخر التي نعيشها في البداية. وهكذا يجعلنا انبهارُنا بمعرفتنا أو موهبتنا أو وعْيُنا بميزاتنا أكثرَ عرضةً لخطر الإصابة بتأثير “دننغ كروجر”. 

 

من هم “دَنِنْغ” و “كْروجر”؟ 

هما عالِما اجتماع من جامعة “كورنيل” (يبدو أنهما كانا محظوظين بمعاشرة الكثير من “مدَرّكي العلوم” 🙂  وبالتالي وتفادياً لـ”انفقاع المرارة” قرروا دراسة هذه الحالات بشكلٍ علمي وموضوعي).

 

وُضع المصطلح نتيجة دراسةٍ قام من خلالها العالمان بقياس مهاراتٍ وصِفاتٍ مختلفة (المنطق، واللغة وحس الفكاهة) لدى مجموعةٍ من المشاركين، وكانت النتيجة أنَّ من كانت نتيجتهم الفعلية ١٢٪ كان متوسط تقييمهم لكفاءتهم يفوق الـ٦٠٪! 

 

 تلَتْ ذلك العديد من الأبحاث والتجارب التي خلُصتْ إلى أنَّ:

• نقص قدرتنا أو كفاءتنا في مجالٍ ما يصاحبه نقصٌ في مستوى وعينا بعدم الكفاءة وبالتالي خللٌ في دقَّة تقييمنا الذاتي لمستوانا الحقيقي.

• هذه الظاهرة عابرةٌ للثقافات والشعوب والأزمان (لذلك فهي تكاد تكون جزءاً من طبيعتنا البشرية ولا يستثنى من خطر الإصابة بها أحد).

 

كيف نسير إذن دون بوصلة؟ 

تشير النظرية إلى أنَّ التقييم الذاتي يتأثر سلباً وإيجاباً بعدَّة عواملَ خارجيةٍ محيطة ويتحسَّن بزيادة الخبرة.

ما يعنيه ذلك هو أنَّ بوصلتنا الداخلية غيرُ دقيقة في تقييم أدائنا، لكنَّها مرنة وبإمكاننا (بل من مسؤوليَّتنا) العملُ على ضبطها باستمرار كي تظلَّ أقرب إلى الصواب، من خلال: 

• الانفتاح على تقبُّل النقد والتعلّم والتحسين المستمر. (تشير الدراسات إلى أنَّ هناك اختلافاً في التعامل مع الظاهرة بين الشعوب بحسب مدى انفتاحهم على ثقافة التطوير المستمر وتقبُّل النقد التي تتميز بها اليابان مثلاً).

• إحاطة أنفسنا بأشخاص “أكفَاء” نستطيع من خلال معاشرتهم التعرفَ على “مقياسٍ” حقيقي للكفاءة.

• البحث عن أصدقاء ومرشدين وزملاء “صادقين” والابتعاد عمّن يقولون لنا ما “نحتاج إلى سماعه” ويغرقوننا من خلال “مجاملاتهم” في منزلق “دننغ كروجر”.

 

من الجدير بالذكر أنَّ الخلل في التقييم الذاتي يحصل أحياناً بشكلٍ معاكس، وأنَّ الكثير من الخبراء المميَّزين يقيّمون أنفسهم بشكلٍ مجحف، والكثير لا يشعرون بمدى تحسنهم نتيجةً لتأثرهم ببيئةٍ محيطة مثبِّطة.

يزيد كلُّ ما سبق من أهمية وجودِ أشخاصٍ موضوعيين حولنا ينقذوننا من تذبذبات بوصلتنا الداخلية ويشجعوننا بموضوعيةٍ وإيجابية كي نبقى في تطورٍ متوازن وثقةٍ معتدلة بالنفس. 

 

فنحن جميعاً في رحلة تطورٍ مستمر، ونحن أحياناً “أفضل بكثيرٍ مما نظن”! 

Share This