هل أنت “وحيد” في مكان عملك؟

عوَّدَنا عالمنا المعاصر على أن نقيّم بيئة العمل تقييماً مادّياً أو”مهنياً جافّاً” فننظر إلى وظيفتنا بعدسة تركّز على الراتب، والمنصب الوظيفي، والتطور المهني.

كل هذه العناصر – بلا شك- مهمّة للغاية، وهي الدافع لخروجنا من بيوتنا وانضمامنا إلى مؤسسات غريبة عنا، ولكن لماذا هي مهمّة؟

ما الذي نريد الوصول إليه حقاً من خلال المنصب والمال والتطور المهني؟

 

ما الذي نريده حقّاً؟

حِرصُنا على المنصب سببه في الأصل قناعتنا بأن المنصب سيمنحنا نفوذاُ أكبر، واحتراماً أكثر، وتعويضاً أكبر… ومن ثمّ سيجعلنا في النهاية.. “سعداء” أكثر!  

 

خدعة السعادة..

ولكن ماذا لو كان عالمنا المعاصر – باسم الحداثة والتطور- خَدعَنا خدعة كبيرة عندما أعاد تعريف السعادة لدينا واستبعد منها أهم عامل تعتمد عليه البشرية منذ نشأتها للشعور بالاستقرار والصحة النفسية…شعورنا بالانتماء.  

في كتاب Tribe يستعرض الكاتب ظاهرة الهجرة والهجرة المقابلة بين القبائل الأصلية في أمريكا والمستعمرات الحديثة، وهي ظاهرة تمت دراستها بشكل مطوّل وكانت نتائجها مثيرة للاستغراب والاستنكار أحياناً من قبل علماء الأنثروبولوجيا.

الهجرة كانت دائماً – وبعكس التوقعات- من طرف المستعمرات الحديثة إلى طرف القبائل البدائية، وحتى الأسرى الذين تم اعتقالهم من قبل القبائل ومن ثمّ تحريرهم بعد فترة من قبل أهاليهم (من خلال دفع فدية كبيرة) كانوا يختارون الهروب والعودة للقبائل مجدّداً…العودة إلى الحياة الأصعب والأخطر والأقل راحة.

لماذا؟..ٍ من أجل الشعور بالانتماء لمجتمع مترابط يهتم أفراده بمصلحة بعضهم البعض ويواجهون تحدياتهم الحياتية بشكل مشترك.

 

هل تقضي ثُلثي عمرك في “غربة نفسية”؟

نحن اليوم نقضي ما يقارب ثلثي أعمارنا كبالغين في مقر العمل، ومهما أقنعنا أنفسنا بأن انتمائنا لمجتمع مترابط ضمن بيئة العمل ليس أولوية بالنسبة لنا فتركيبتنا الجينية كبشر لن تتقبل ذلك، وسَتظهر أعراض “الغربة” التي يعيشها معظمنا في بيئات عمل -قد تكون إيجابية ولكنّها “جافة”- على شكل اضطرابات نفسية وارتفاع لمستوى التوتر والقلق والاكتئاب وتدنّي مستوى جودة الحياة بشكل عام، بل حتى تدني مستوى أدائنا في العمل نفسه.  فبحسب إحصائية قامت بها Harvard Business Review يزيد إحساس الموظفين بالانتماء لمكان عملهم من تطورهم بنسبة 85٪ ، ويرفع نسبة تفاعلهم 55٪، ويزيد نسبة استمرارهم مع شركاتهم بنسبة 66٪.. والعكس صحيح.

 

ما العمل إذاً.. هل أترك وظيفتي وأهرب للعيش مع القبائل الأصلية؟

لن يستطيع أيّ منا اليوم إيقاف عجلة التحديث أو التخلي عن إيجابيّاتها الهائلة، وليس بإمكان أغلبنا الخروج من منظومة الرأسمالية الجافة، ولكن وعينا بمدى أهمية احتياجنا للانتماء لمجتمع مترابط يمكّننا من المبادرة باتخاذ خطوات -ولو بسيطة- لخلق “مساحات انتماء” تغذّي احتياجاتنا.

  1. شخصن الأمور (بالمعنى الإيحابي): من الأسهل طبعاً الحفاظ على سير العمل بمهنيّة من خلال ترك مسافات كبيرة بينك وبين زملائك. قد يؤدي ذلك إلى ترقيتك بشكل أسرع، لكن سيكون ذلك على حساب صحتك النفسية!
    اخلع قناع المهنية الجافّة وشارك زملائك الجانب الشخصي من حياتك وكن جزءاً من حياتهم الشخصية. قد يزيد ذلك من التعقيد في إدارة الأمور في البداية لكنك ستنجح مع الوقت في الوصول إلى صيغة متوازنة تحقق من خلالها الحزم في الأمور المهنية دون التضحية بالرابط الإنساني القوي والهام لصحتك وسعادتك.

  2. لا تأكل وحدك: قد تبدو هذه النصيحة بسيطة، لكن اجتماعنا على مائدة الطعام له أبعاد أكثر بكثير من مجرد إسكات الجوع. فالأكل الجماعي هو من أكتر الوسائل فاعلية في بناء روابط إنسانية مشتركة على مدى العصور وفي كافّة الثقافات والمجتمعات. لا تأكل أبداً وحدك مهما كان ضغط العمل كبيراً.

وفي النهاية، عند مفاضلتك بين خيارات وظيفية مختلفة، لا تقلّل من قيمة وجود بيئة “عائلية” في مكان العمل، ولو كان ذلك يقتضي تضحيتك بمنافع مادية أو منصب أعلى أو مزايا يبدو لك من خلال عدسة “الحداثة” المشوّهة أنها ستجلب لك المزيد من السعادة.. ولو كنت بسببها ستقضي ثلثي يومك وحيداً!

شارك المقال

مقالات ذات صلة

اشترك معنا!

لتصلك بزنس Shot ☕ ساخنةً صباح كل اثنين