لماذا تفشل محاولات تحقيق التوازن بين الحياة والعمل؟

 

ربما تكون المشكلة في المسمى: “موازنة الحياة-العمل”، الذي يَفترِض أنَّ العمل “جزءٌ يتجزأ” من حياتنا.

وبالتالي، تُركّز الكثير من النصائح المتعلقة بتحقيق التوازن بين الحياة والعمل على تقسيم “ساعات” اليوم وتوزيعها بين العمل وباقي جوانب الحياة، وهو أمرٌ مهمٌ بلا شك لكنه غير كافٍ. 
 

المشكلة في التركيز على تحقيق التوازن من خلال “تقسيم الساعات” أنه يفترِض أنَّ العمل مثل قطعة الـ LEGO وبمجرد خروجي من مكتبي سأتمكن من فصل هذه القطعة عن حياتي لأعيد تركيبَها في صباح اليوم التالي. والحقيقة هي أنَّ حياتي العملية في -أغلب الأحيان- مثل الخيوط التي تُحبَك داخل نسيج حياتي الخاصة وتتداخل به بشكلٍ يستحيل معه فصلهما. لماذا؟ لسببٍ أعمقَ من مجرد الوقت: 

لأنَّ حياتي العملية هي مجموعةٌ من الاهتمامات والعلاقات الإنسانية والمواقف التي تؤثر على كياني ونفسيتي، وليست مجرد مساحةٍ من الوقت أستطيع الانفصال عنها بشكلٍ أوتوماتيكي بمجرد الخروج من المكتب. 

 

لذا قد يكون من الأفضل التطرق لموضوع التوازن من زاويةٍ مختلفةٍ أكثر واقعية: 

أعطني اهتمامك وليس وقتك

من الممكن جداً أن تقضي ٤ ساعاتٍ فقط في المكتب وتعودَ إلى منزلك لتقضي ٨ ساعات أو أكثر بين عائلتك ومع أبنائك وأنت فعلياً لازلت في العمل.. لأنَّ ذهنك وتركيزك وتفكيرك مشغولٌ بتحليل ما حدث خلال الساعات الأربع.

الوقت عاملٌ ضروري لتحقيق التوازن، لكنَّ التركيز والاهتمام هما ما يمنح الوقتَ قيمةً ومعنى. درِّب نفسك على التركيز على الحاضر وعَيشِ اللحظة. خذ راحتك في مناقشة العمل مع أهلك وأصدقائك إن أحببت، لكنْ لا تسمح له بسرقة اهتمامك وتركيزك على النواحي واللحظات الأخرى.

 

الأولوية النفسية

قد أضطر لإعطاء العمل أغلب وقتي، لكن هل يعني ذلك أنْ يأخذ كلُّ شخصٍ فيه أولويةً لا يستحقُّها في حياتي؟

مجرَّدُ قضاءِ وقتٍ طويلٍ مع أشخاص معينين يدفعنا أحياناً لمنحهم أولويةً لا يستحقونها في حياتنا، وبالتالي يزيد مستوى تأثُّرِنا برأيهم فينا ورضاهم عنّا بشكلٍ غير منطقي كثيراً ما يؤثر على علاقاتنا الأخرى وصحتنا الجسدية والنفسية. 

حاول التفكير بجديّة بخصوص ما يعنيه لك “فلان” كشخص سواء كان مديرَك أو زميلك في العمل، وأعطِ رأيه فيك ورضاه عنك أولويةً نفسيةً بقدر استحقاقه لها… فقط. 

 

تصالح مع حقيقة أنك تركب أمواجاً مختلفة.. تقبَّل الصعود والهبوط

كلُّنا يُقِرُّ نظرياً بأنَّ الكمال أمرٌ مستحيل. ولكن نفسياً كثيراً ما نتبنى الرغبةَ في النجاح في كافة نواحي حياتنا بنفس القدْر، وفي نفس الوقت، ونتوقع ذلك من أنفسنا، ربما بسبب كبريائنا، طموحنا، أو بسبب رسائل الإعلام وتأثُّرنا بوسائل التواصل الاجتماعي.

تقول كاتبة البرامج التلفزيونية الشهيرة “شوندا رايمز”، والتي كتبت مسلسل Grey’s Anatomy وعدة مسلسلاتٍ أخرى وكانت قبل سنوات الكاتبة التلفزيونية الأعلى أجراً في أمريكا: “يسألني الناس دوماً: شوندا كيف تستطيعين القيام بكل شيء؟ يسألونني وكأن لدي قوىً سحرية أو كأنني حكيمةٌ ستكشف لهم سراً، وجوابي على السؤال هو دائماً: أنا لا أقوم بكل شيء!”

وتكمل لتشرح كيف أنها عندما تنجح في كتابة نَصِّ حلقةٍ تلفزيونية فهي غالباً تتقبل أنها لن تتواجد مع بناتها في المساء أو لن تحضر تدريب السباحة لإحداهن، وبالمثل حينما تقرر أنها ستقضي الوقت مع بناتها فهذا يعني أنها ستضطر لتأجيل كتابة حلقةٍ ما أو التغيب عن مناسبةٍ رسميةٍ مهمة. لذا قد يكون من المهم التصالح ذهنياً ونفسياً مع فكرة عدم وجود توازنٍ بين العالمين وإنما تبادلٍ وتشاركٍ للنجاح والإخفاق فيما بينهما بحسب الأولويات والظروف.

التصالح مع هذه الحقيقة يجعلنا أقلَّ قسوةً مع أنفسنا وأكثرَ قدرةً على التنقل بين الأمواج المختلفة -صعوداً وهبوطاً- دون العيش في توترٍ وعدم رضاً دائمَين.

Share This