هروبك يزيد الطين بلَّة! 

يسيء أحد زملاء العمل إليك بكلمةٍ ما، ثم يخبرك بأنه “كان يمزح”.. 

يقوم مديرك بتجاهلك وتجاهل أفكارك خلال الاجتماع.. 

يتمادى معك أحد العملاء في أسلوبه دون مبرر..

في مواقف كهذه، كيف تكون ردة فعلك عادةً؟

إذا كنت معتاداً أن تقول لنفسك دائماً ومهما تكرر الموقف وكان واضحاً:”من الأفضل أن أتجاهل الموضوع”.. فقد تكون مختبئاً خلف  ستار “الهروب بحجة التسامح”..

رغم انزعاجك وغضبك (الطبيعيين) في هذه الحالات، إلا أنك تأخذ الأمور بنيةٍ حسنة وتكبت هذه المشاعر داخلك.. وتبرر -مرةً تلو الأخرى- موقف الطرف الآخر: “ربما لم ينتبه بسبب الضغوط الأخرى”، أو “قد يكون هناك سوء فهم”، “لعلّي لم أشرح جيداً”، ومن ثم تتغاضى من باب التسامح والإيجابية، ولكنك تضمر خلف أسلوبك “المتسامح” هذا خوفاً من دخولك في مواجهةٍ توضح فيها استياءك وترسم فيها للطرف الآخر حدود التعامل معك..

عند تعرضك لموقفٍ مسيء، أنت دائماً أمام ثلاثة خيارات:

  • الهجوم
  • الهروب 
  • المواجهة بحزم

سلبيات الخيار الأول واضحة. لكن دعنا نتناول الخيارين المتبقيين: 

الهروب: يجنبك الهروب المشاكلَ -في الظاهر- لكنه في الحقيقة يفاقمها. أنْ يغلبك الخوف ولا تقوم بتوضيح استيائك مما حصل يعني أن تصبح معرضاً لسماع الكلمة ذاتها “بحجة المزاح” مرةً ثانية وثالثة ورابعة.. أو لتجاهلِ مديرك لك بشكلٍ دائم، أو لتمادي العميل أكثر وأكثر وتخطيه الحدود..

وبالتالي عندما تتكرر هذه الإساءات، سيزداد غضبك وحنقك وشعورك بالظلم..

وإما أن تستمرَّ بالصمت والتظاهر بالتسامح، ويؤثرَ هذا سلبياً على عملك ونفسيتك وصحتك، أو تصدر عنك ردود أفعالٍ لحظيةٌ غير مدروسة مدفوعة بالتوتر والشعور بالظلم تعود عليك بعواقبَ وخيمة.

المواجهة بحزم: أن تمتلك الجرأة على “المواجهة” بالأسلوب الصحيح منذ البداية، وتتجنب الوصول إلى هذه المرحلة من خلال الخطوات التالية:

1- انتبه لحديثك الداخلي

عندما تجد نفسك منغمساً في حوارٍ داخلي تبرر فيه لغيرك وتُضمِر خلف هذا التبرير الكثير من المشاعر السلبية توقَّفْ وحدد ما الذي أزعجك بالضبط، ولماذا؟ وهل كان مجرد خطأٍ عابر أم تجاوزاً لخطوطك الحمراء؟ 

تحديدك لما أزعجك هو الخطوة الأولى لمواجهة الموقف..

2- ارسم حدودك

كن حازماً في تحديد خطوطك الحمراء. وجود خطوطٍ حمراء واضحة لديك لا يعني أنك شخصٌ جاف أو غير ودود.. على العكس! هذه الحدود هي التي ستجنبك الكثير من المشكلات وستمكّنك من بناء علاقاتٍ ودودةٍ وقوية دون الإضرار بمهنتك، وكما يقول المثل الانجليزي: “الأسوار الجيدة تصنع جيراناً جيدين”.

المواجهة الحكيمة لا تجعل منك شخصاً عدوانياً وعنيفاً، بل تعكس أنك شخصٌ واثقٌ بنفسه وذو وعي عالٍ بذاته.

 3- في التأني السلامة وفي العجلة الندامة 

لا تسلّم القيادة لمشاعرك.. نعم إذا شعرت بأنَّ ما حدث أو قيل كان مؤذياً لك وفيه تجاوزٌ لخطوطك الحمراء فعليك مواجهته، ولكن ليس بالضرورة في اللحظة ذاتها!

قد لا يكون المكان والوقت مناسبين. قد يحدث الموقف بوجود أشخاصٍ آخرين، أو خلال اجتماع، أو في ظرفٍ معين لا يسمح لك بالنقاش الهادئ. انتظر حتى تهدأ مشاعرك وتعالج الموقف بمنطقية، واختر المكان والزمان المناسبين لنقاشٍ هادئ وموضوعي.

4- كن شجاعاً لا عدوانياً

عرفت تماماً ما الذي أزعجك، واخترت الزمان والمكان المناسبين، وستبدأ المواجهة.

لكن قبل أن تبدأ، تذكَّر أنك لا تخوض حرباً، ,وأن المواجهة لا تعني التصادم بل هي فرصةٌ لبناء علاقة احترامٍ حقيقي متبادل بدلاً من الاستمرار في علاقةٍ هشة مبنية على مجاملاتٍ زائفة. كي تواجه بشجاعة دون عدوانية: 

  • كن هادئاً..لا داعي للتوتر ومواجهة الموقف بطريقةٍ غاضبةٍ وفظة، فأنت تجري محادثةً بسيطة لتجنب تكرار الموقف ولتوضيح خلفيته.
  • دع الطرف الآخر يعبِّر أولاً.. حاول أن تسأله مثلا: “ما الذي كنت تقصده من قولك كذا؟” أو ” هل يمكنك أن تساعدني في فهم ما قلته/فعلته بشكلٍ أفضل؟”.ستبدد هذه الأسئلة أيَّ إحساسٍ بأنه يتعرض “لهجوم”،  وستسمح له بالتعبير عن نفسه وتوضيح رأيه.
  • ركّز على الموقف لا الشخص.. اشرح له -بهدوء- ما أزعجك بصيغة المبني للمجهول دون أن تشير إليه بإصبع الاتهام: “عندما يتم تجاهلي خلال الاجتماعات أشعر بعدم التقدير” بدلاً من “أنت تتجاهلني خلال الاجتماعات لأنك لا تقدرني” واشرح شكل التعامل الذي تود الحصول عليه مستقبلاً بشكلٍ عام: “المزاح بهذا الشكل غير مقبول لدي” بدلاً من: “أسلوبك غير محترم”.

في النهاية.. من الجميل والمهم جداً أن يقدّم الإنسان حُسنَ الظن، ولكن لا بدَّ من التفريق ما بين “التسامح الحقيقي الذي في مكانه” لأن ما حدث كان بسيطاً أو هامشياً، وما بين “التسامح المؤذي” الذي يختبئ خلفه الخوف من  بعبع المواجهة!

 

Share This