مديري العزيز.. أنا أحترق!

مديري العزيز، أحب أنْ أقول لك أنني أحترق! الدخان يتصاعد من رأسي الآن. وبداخلي تتكون شيئاً فشيئاً غيمة دخانٍ كئيبة، لا نور يخترقها ولا نسيمٌ عليل. أنا مكتئب، مزاجي مثل جهازي الهضمي بات متقلباً، ألمُ رأسي يزورني كل الوقت، ونومي بدأ يهجرني أغلب الوقت. 

لا أريد أن أساعد أحداً، لا أريد أن أبادر بمهمة، لا أريد أن أفعل أيَّ شيء … لا أريد أن أستيقظ في الصباح فأتذكَّرك، وأتذكر زملاء العمل، وأتذكر مكتبي … 

أنا أحترق بصمت … ولا أحد يراني أو يدري بي. ورغم أنَّ أعراضي تجعلني أشعر بالذنب وبأنني أنا فقط المقصر، إلا أنني سأقول لك يا مديري العزيز بأنَّك شريكٌ في المسؤولية. حتى منظمة الصحة العالمية تقف في صفي، وتذكر أنَّ الاحتراق الوظيفي (Work Burnout) ليس مرضاً شخصياً وإنما أمرٌ ناتج عن سوء استراتيجية المنظمات والمؤسسات في تعاملها مع حالات كحالتي. وأحب أن أذكّرك يا مديري بأنَّ الأمر جدُّ خطير. فجامعة ستانفورد على سبيل المثال تذكر في إحدى دراساتها أنَّ الاحتراق الوظيفي أدى لإنفاق ما يقارب 190 مليار دولار – يعني تقريباً 8٪ من نفقات الرعاية الصحية الوطنية الأمريكية. وأنَّ عدد الوفيات كان حوالي 120 ألف حالة وفاة كلَّ عام بسبب إجهاد العمل!!

 

قلة الإنتاجية ، والربح!

بحسب جمعية علم النفس الأمريكية، فإنَّ معدل الاستقالة في الشركات التي تفتقر لأنظمة دعمِ رفاهية الموظفين يكون أعلى، والإنتاجية أقل. وحين يكون ضغط العمل عالياً تكون تكاليف الرعاية الصحية فيها أعلى بنسبة 50% من غيرها من الشركات. وفي دراسةٍ أخرى لـ Gallup ، وُجد أن الموظفين المنهكين “المحترقين مثلي” هم أكثر عرضةً بمعدل 2.6 مرة أن يبحثوا بنشاطٍ عن وظيفةٍ أخرى. وأكثر عرضةً لأن يأخذوا  يوماً مرضياً (بنسبة 63%)، وأكثر عرضةً (بنسبة 23%) لأن يزوروا غرفة الطوارئ..

 

هنا مديري العزيز ستقول لي كعادتك “لا أحب من يشيرون إلى المشاكل دون أن يشيروا إلى الحلول”. لذا “أنا جايك بالحل”: بحسب استبيان Gallup الذي أجرته على 7500 موظف فإنَّ أهم 5 أسباب للاحتراق الوظيفي هي:

السبب 1: لا عدالة في بيئة العمل.

لذا  مديري العزيز ابتعد عن الشللية ونظام المقربين المحظيين. واجعل مبدأك سواء في التقييم، المكافأة، أو الانتقاد، مبنياً على العدل وعلى مجهودات ومهارات الموظفين. فما سوى ذلك سيولّد بيئة عمل “غير صديقة” قابلة للاحتراق.  

السبب 2: مقدار العمل يفوق قدرة الموظفين على إدارته.

بمعنى، لا تقبل مشاريع أو تُسند مهاماً ثانوية تفوق ساعات عمل موظفيك أو قدرتهم الاستيعابية بمراحل. أيضاً حاول إزالة أية أسباب (مثلا الاجتماعات غير الضرورية، الأصوات، والإزعاج) تؤدي إلى عرقلة الموظفين وعملهم لساعاتٍ إضافية بعد الدوام أو في المنزل.

السبب 3: الأدوار والمسؤوليات ضبابية. 

كن محدداً تجاه أدوارِ ومهماتِ كل شخص أو مطلعاً على طبيعتها بدقة، ولا تكن ضبابياً في توصيلها أو فهمها أو تغيرها فجأةً فيشعر الموظف على الدوام  بالحيرة أو عدم الوصول لخط النهاية مهما اجتهد، وبالتالي يحترق. 

السبب 4: المدير لا يدعم ولا يتواصل.

 بمعنى أنه يجب عزيزي المدير أن تُشعر الموظف بوجودك وإرشادك في أوقات الشدة، بتقديرك عندما يحسن صنعاً، بسهولة الوصول إليك في العمل، والقدرة على التواصل معك.

السبب 5: ضغط لا منطقي في التسليم.

 احرص على واقعية مواعيد التسليم أو مدة إنجاز المهام. واجعل التسليم المستعجل لظروفٍ استثنائية. ففوات موعد تسليمٍ واحد (لم يكن منطقياً من الأساس) يؤدي لسيلٍ متتالٍ من المهام المتأخرة التي تسبب التوتر المتتالي للموظف واحتراقَه.

 

والآن مديري العزيز، تطبيقك لكل ما سبق، لن يجعلني أهمل أو أسترخي، بل سيجعلني أكثر توازناً وانتماءً للشركة.. وأكثر حرصاً على زيادة أرباحها!

Share This