هل سنصبح مجتمعات غير نقدية؟

أعادت أحداث الحرب الروسية الأوكرانية والعقوبات الاقتصادية المستمرة النقاش حول نظم التداول المالي، والنقود، والعملات، والأصول. وعلى الهامش، فإن الحديث عن تجميد الحسابات المصرفية لبعض رجال الأعمال أو الحسابات الحكومية يقودنا للحديث عن مفهوم النقود غير الورقية، أي تلك الأرقام الموجودة في حساباتنا المصرفية، والتي نتداولها فيما بيننا عبر التحويلات المصرفية والبطاقات عوضاً عن العملات الورقية التي اعتدنا على تداولها سابقاً.
 
إن مفهوم المال كما نعرفه اليوم ليس جديداً كلياً، بل هو عبارة عن سلسلة من المفاهيم التي تطورت مع الوقت، والتي كانت تهدف إلى تسهيل حركة البضائع والخدمات بين الناس. قبل نظام المال، كان نظام المقايضة Barter Trading هو النظام الشائع في التعاملات بين الناس، والذي اعتمد على تبادل البضائع بين الناس بناء على القيمة المتوقعة للسلع التي تتم مقايضتها. كان هذا النظام يواجه مشكلة كبيرة، حيث إن بعض البضائع قد تكون لها قيمة كبيرة ولا يمكن تقسيمها إلى أجزاء أصغر لشراء سلع ذات قيمة أقل، وستظهر لنا بعض التساؤلات، مثل: كم دجاجة تحتاج لشراء جمل؟ 😳 
 
هذه التحديات دفعت البشرية إلى استخدام عناصر جديدة باعتبارها وحدات محددة القيمة للبيع والشراء، مثل: قطع الذهب، ثم العملات المعدنية، وبعد ذلك العملات الورقية المستخدمة في عصرنا الحالي. ويشهد عصرنا العديد من الابتكارات المالية التي منحتنا القدرة على الشراء دون الحاجة إلى العملات الورقية. فهل ستكون هذه الابتكارات بداية تحولنا إلى مجتمعات غير نقدية؟ 
 

ماهي المجتمعات غير النقدية؟ 

يصف مفهوم “المجتمعات غير النقدية” حالة اقتصادية تجري فيها التعاملات المالية دون الحاجة لتبادل حقيقي للعملات الورقية، وتتم العمليات عن طريق حوالات بنكية بين الحسابات الشخصية للأفراد عن طريق نقل معلومات المبالغ المتاحة من حساب شخص إلى حساب شخص آخر، دون الحاجة لنقل حقيقي للعملات النقدية بينهم. حتى إنّ البنوك عادة لا تقوم بنقل حقيقي للأموال بينها، بل تقوم في نهاية كل فترة معينة بتعديل حساباتها؛ لتعكس المبالغ التي تملكها عند بنوك أخرى، والمبالغ التي تمتلكها بنوك أخرى عندها عن طريق مبدأ المقاصة Clearing، ويشرف البنك المركزي على هذه العمليات عادة.
 

ما سبب تحولنا لمجتمعات غير نقدية؟

في إحصائية لبنك U.S الأمريكي، وجد أن 50% من المشاركين في الاستطلاع لا يستخدمون الأوراق النقدية في نصف معاملاتهم عندما يكونون في الخارج، وأن 76% منهم يحملون أقل من 50 دولاراً في محافظهم في المتوسط. إن تطور خدمات الدفع سهل عمليات الشراء بشكل ملحوظ، وقلل الحاجة إلى حمل مبالغ كبيرة. في شهر مايو/ أيار سنة 2021، سجلت الخدمة الشهيرة “الدفع بالهاتف Alipay” أكثر من 670 مليون مستخدم نشط في الصين فقط، وهذا الرقم يعادل قرابة 45% من سكان الصين! يذكر أيضاً أن تطور العملات الرقمية ساعد في تقديم العديد من الحلول التي تشكل ثورة في تقنية المدفوعات.
 

هل الحلول غير النقدية أفضل؟

يمكن مقارنة إيجابيات حلول الدفع الإلكترونية بسلبياتها بشكل مختصر كما يلي:
 إيجابيات

  • سهولة حمل البطاقات البنكية، وتطبيقات الدفع مقارنة بالعملات الورقية والمعدنية.
  • تقليل عمليات سرقة النقود الورقية، وإمكانية تعطيل البطاقات الائتمانية المسروقة بسرعة.
  • صعوبة استخدام الأموال في الأعمال غير القانونية، مثل: غسيل الأموال، والتهرب الضريبي.
  • تقليل التكلفة والمدة عند نقل الأموال والمدفوعات.

 سلبيات

  • إمكانية سرقة الحسابات الإلكترونية عن طريق الاختراق.
  • صعوبة تقديم الخدمات الجديدة للمستخدمين الذين لا يملكون خلفية تقنية، أو للذين يقطنون مناطق لا تتوفر فيها شبكة إنترنت.
  • مشاكل الخصوصية، حيث يمكن لشركات خدمات الدفع الوصول إلى العديد من المعلومات الخاصة بالمستخدم والحركات المالية له
  • قد تكون تكلفة بناء أنظمة الحلول غير النقدية مرتفعة مقارنة بأنظمة النقود الورقية.

 

الصورة الكلية

تطورت خدمات الدفع بشكل ملحوظ في العقود الماضية، لكن مازال العديدون لديهم بعض التخوفات من الانتقال إلى هذا النظام بشكل كامل، وعلى الرغم من ذلك، فمن المتوقع أن ظهور هذه المشكلات قد يساعد في إنشاء تطبيقات جديدة تساعد على حلها، مثل: العملات غير المركزية (البتكوين مثلا)، والتي تهدف إلى إنشاء عملة ذات خصوصية عالية من الصعب اختراقها، ولا يمكن لأي جهة محددة الحصول على المعلومات التي قد تشكل تهديدا لخصوصية المستخدم.
 
 ومهما كانت التخوفات؛ فإن هذا لا ينكر أن انتقال المجتمعات من النقد إلى الخدمات الإلكترونية سيكون خطوة كبيرة لتطوير الاقتصاد العالمي وتسهيل خدمات الدفع وتقليل تكلفتها.

Share This