فكّر وحدك!

“لا أعتقد أن هناك أي شي ثوري قد خرج من رحم مجلس.  إذا كنت ذلك المهندس النادر- المخترع والفنان في الوقت نفسه -. سأقدم لك نصيحة قد يصعب عليك تقبلها: اعمل لوحدك.” 

  • ستيف وزنياك. مخترع الحاسوب الشخصي.  

قد يجد البعض كلمات ستيف صادمة قليلاً. حيث تعلم معظمنا سواء أثناء دراستنا أو عن طريق قراءة أشهر ما كتب في إدارة الأعمال أهمية العمل الجماعي ودوره الجوهري في عملية الابتكار وإيجاد الحلول الإبداعية.  

مالكوم جلادول على سبيل المثال مؤلف الكتاب الشهير The Tipping Point  يقول ” الابتكار – قلب الاقتصاد المعرفي – هو في جوهره إجتماعي”.  

من هذا المنطلق بدأت معظم الشركات بإجبار الموظفين على العمل الجماعي المستمر واعتمدت لهذا الغرض عدة أساليب منها استخدام تقنية العصف الذهني الجماعي لإيجاد الحلول الإبداعية وحل المشكلات.  

يقوم العصف الذهني الجماعي – الذي ابتكره الكس اوزبورن عام 1953 – على اجتماع 5-12 شخص في غرفة لطرح أفكار ابداعية تتعلق بمشكلة ما. يدير منسق محدد الجلسة ويبدأ الحضور بطرح الأفكار متبعين أربعة قواعد:

1. الكمية أهم من النوعية. 

2. لا يحق لأحد انتقاد أي فكرة 

3. كلما كانت الفكرة مجنونة كلما كانت أفضل!

4. يمكن للحضور الجمع بين عدة أفكار مطروحة واقتراح فكرة هجينة.  

لقد انتشرت طريقة اوزبورن كالنار في الهشيم بين الشركات، حيث أشارت دراسة أجريت في عام 2001 أن 70% من الشركات تعتمد العصف الذهني الجماعي كأساس لحل المشكلات.  

طريقة فاشلة؟! 

لاختبار نظرية اوزبورن قامت جامعة Yale  بتقسيم 96 طالباً وطالبة إلى مجموعتين وطلبت منهم ايجاد حلول ابداعية لعدة مشاكل.  

على المجموعة الأولى خلق الأفكار باستخدام العصف الذهني الفردي؛ أم الثانية فبتطبيق العصف الذهني الجماعي ضمن مجموعاتٍ مكونة من أربعة.  

النتيجة؟ نجحت المجموعة الأولى في إيجاد عدد أكبر من الحلول الإبداعية! 

تؤكد الكاتبة والمحاضرة سوزان كين في في كتابها: “هدوء: قوة الإنطوائيين في عالم لا يستطيع السكوت” أن التفكير الجماعي فاشل في أغلب الأحيان! وأن السبب الوحيد لتقديس الناس لهذه الفكرة هو عدم مقارنة مخرجاتها بمخرجات الطرق البديلة. تعزو كين ذلك لعدة أسباب: 

1. التكاسل الجماعي Social Loafing 

كلما زاد عدد أفراد المجموعة كلما قل الجهد الذي يقوم به الفرد. من المرجح أنك اختبرت هذه المفهوم النفسي في أحد المشاريع الجماعية في الجامعة، عندما انتهى بك المطاف القيام بمعظم العمل أو كنت أحد أعضاء المجموعة المتكاسلين.   

2. الخوف من نظرة الآخرين Evaluation Apprehension 

هل سأبدو غبياً إذا اقترحت ذلك؟ حاول اوزبورن التغلب على هذه المفهوم النفسي بمنع نقد الأفكار خلال جلسة العصف الذهني. لكن ذلك لا يكفي بالنسبة  لكين؛ حيث أن هذه الظاهرة منغرسة في فطرتنا ولا يمكن مقاومتها بالتدريب وقوة الإرداة.  

استشهدت كين بالتجربة التي أجراها العالم الاقتصادي السلوكي دان اريلي والتي خلصت أن أداء الفرد في حل الألغاز انخفض مع وجود الجمهور، والتجربة الشهيرة التي قام بها سولومان آش في خمسينيات القرن الماضي التي وجدت أن كرهنا للاختلاف وحبنا للتوافق الإجتماعي Social Conformity  يدفعنا حتى لاقناع أنفسنا بعكس ما تراه أعيننا.   

3. المبدع على الأغلب انطوائي!  

في ستينيات القرن الماضي قامت جامعة كاليفورينا بعمل عدة دراسات لتحليل شخصية مجموعة من المبدعين في مجال الفن والرياضة والعمارة والهندسة لمعرفة الصفات المشتركة بينهم. وكانت النتيجة أن الصفة الأكثر شيوعاً هي أن أغلبهم “انطوائئين اجتماعيا” ومحبي للعزلة. إن الانطوائي بطبعه لا يفضل التفكير بصوت عال أو في حضور الجمهور.  

حل بيل غيتس 

كان  بيل غيتس يفضل طريقة العصف الذهني الفردي عن الجماعي. كان لدى ما يكروسف ما يسمى “صندوق اقتراحات” يضع فيه موظفي الشركة أفكارهم الجنونية التطويرية، وعندما كبر حجم الشركة أصبح صندوق الاقتراحات حصراً على أكبر 50 مهندساً وموظفاً في الشركة. كان من عادة غيتس أن يعزل نفسه سنوياً لعدة أسابيع لدراسة الأفكار في الصندوق وتقييمها.   

ختاماً، من المهم أن نذكر أن البعض انتقد الدراسات التي هاجمت العصف الذهني الجماعي، لكن سواءً اتفقنا معها أم لا، فإن الغرض الرئيسي من هذه الجرعة هو التذكير بأن العملية الإبداعية معقدة ولا يوجد لها وصفة أو طريقة سحرية كما يصور لنا البعض.   

 عندما سئل مخرج وكاتب فلم Jojo Rabbit  بعد حصوله على جائرة الأوسكار لأفضل نص سينمائي، من تحب أن تشكر؟ قال: “لا أحد، فقط أمي التي أهدتني الرواية التي اقتبست عنها العمل وأنا طفل والساعات الطويلة التي أمضيتها في عزلة لوحدي أضغط على أزرار لوحة المفاتيح!”  

Share This